كنت مدعو ليلة البارحة لتناول طعام العشاء الذي أقامه عدد من زملائي المعلمين لكل معلمي المدرسة بإحدى الاستراحات في المنطقة التي أعمل بها ، وذلك بمناسبة انتهاء عملهم في التعداد السكاني قبل اسبوعين ، وقد وعدتهم بتلبية الدعوة بعد ان وعدوني بأن يكون العشاء وفق ما اتمناه منذ فترة طويلة ، حيث كنت اقاطع بالسابق غالبية الدعوات التي توجه لي بسبب كون العشاء هو التقليد الذي يعرفه أهل هذه المنطقة والمتمثل في عمل ذبيحة وتوزيعها على عدد من الصحون مع الرز . وبالنسبة لي فإني لا أفضل تناول الرز واللحم في الليل ، وبدلاً من ذلك افضل العشاء الخفيف او المتنوع على الأقل . وكنت دائماً اقول لهم : متى ما كان ضمن عشائكم صحون المشاوي والمقبلات فإنكم ستجدوني موجوداً بينكم حتماً ..
ليلة البارحة تحقق ما كنت اريده فعلاً ، وتناولنا جميعاً الكباب المميز وأوصال اللحوم الشهية ومعها صحون المقبلات التي يسيل لها اللعاب ، ولايخلو الأمر طبعاً من وجود السلطة اللذيذة ، وبالرغم من كل ذلك فإن الرز لم يستبعد ابداً من السفرة ، ولذا تم احضار صحون أصغر حجماً وأقل عدداً لمن يرغب في تناول الرز ، وهذا أمر أؤيده ، حيث أني أؤمن بالتنوع والاختلاف ، وهذا ما اطالب به دائماً .. وبعد العشاء كان في انتظارنا الحلويات وانواع متعددة من الشاي والقهوة ..
وقد اعتاد غالبية زملائنا المدرسين في مثل هذه الطلعات بالمساهمة والمشاركة في احضار ما تجود به انفسهم من حلويات او كيك او الشاي والقهوة ، وقد انفتحت نفسيتي كثيراً البارحة لشرب الشاي بعد العشاء ، ونظراً لوجود أكثر من خمسة انواع من الشاي أمامي ، لذا سألت عن مدى توفر الشاي المخدر ، او ما يسمى بالشاي المعمول وفق الطريقة العراقية ، والذي يكون الشاي فيه مركزاً أكثر ، لأنه يتم عمله بالطرق التقليدية القديمة ، وليس باستخدام الأوراق الجديدة .. وهنا أشار علي زميلي ابو مبارك بدلة الشاي التي احضرها ، وقد اثنى عليها كثيراً .. وعند اول رشفة ارتشفتها ، على الفور قلت له : نعم هذا هو الشاي المخدر بالضبط الذي ابحث عنه .. وكان طعمه مميز جدا بالنسبة لي .. فطلب مني عدد من المعلمين ان اصب لهم منها .. وقد ظلت الدلة طيلة جلستنا البارحة إلى جانبي ، وقد تكفلت بنفسي بإنهاء ما فيها .. ولذا كنت اقوم بالدعاية لها ، وقد شرب منها اكثر من 8 معلمين ، وكان مديرنا الفاضل منهم .. اما انا فقد انتابني منها 4 كاسات صغيرة .. ومن باب الابتعاد عن الاحراج فقد قمت بشرب كاسين ايضاً من دلال اخرى ..
استمرت جلستنا إلى الساعة الحادية عشر ونصف ، وبعدها بدأ كل معلم ينسحب ويودعنا ، وكنت من ضمن هؤلاء المنسحبين ، حيث رجعت الى السكن ، ونظراً إلى وجود بعض الاشغال التي تنتظرني فقد حاوت ان اقوم بانجازها كلها ، وكانت الساعة قد وصلت إلى الساعة الواحدة ليلاً ، وهنا حان وقت النوم ، لذا لم أشأ أن اظل جالساً حتى لا اتسبب بالازعاج لصديق غربتي الذي يسكن معي بالغرفة ، والذي دخل في المرحلة السابعة في النوم .. وعندما استلقيت على سريري أحسست بأن النعاس لم يحل علي بعد ، وجالت الكثير من الأفكار في مخيلتي وانا اتقلب ذات اليمين وذات اليسار ، وحاولت ان افكر كثيراً وبتركيز عالي جدا ، فربما ساعدني ذلك على ان يغشاني النعاس بسرعة ، إلا أن ذلك لم يحقق لي تقدم ، وظللت جالساً حتى سمعت صوت الآذان يصدح في أذني .. وانتظرت حتى يستيقظ صديقي ، لأنه اعتاد على ايقاظي للصلاة دائما ، لكنه فوجئ بقيامي بمجرد أن نادى باسمي .. وحتى بعد الصلاة لم استطع ان اغمض عيني لأكثر من دقيقة .. فأدركت حينها ان هناك سبباً منعني من النوم ..
في الصباح وعند توجهي للمدرسة ، فوجئت بكلام زميلي الذي أذهب معه للمدرسة يومياً حينما قال لي بأنه لم ينم منذ البارحة إلى الآن ، فسألته : لماذا لم تنم ؟؟ فقال لي انه لم يتمكن من اقناع نفسه بالنوم .. وهنا أخبرته بما حصل لي ايضاً ، واندهش من حصول ذلك بالتزامن فيما بيننا .. وفي المدرسة كانت المفاجأة الكبرى ، حيث فاجئنا المدير بلبس النظارة الشمسية داخل مكتبه ، وعندما سالناه عن السبب ، أجاب بأن عينه محمرة ، وانه لم يتمكن من النوم ايضا البارحة .
ومع توسع الحديث فيما بين الزملاء ، فوجئنا بوجود 6 مدرسين لم يتمكنوا من النوم ، وانهم قد سهروا طوال الليل .. وهنا بدأنا نبحث عن السبب ، وطرحنا الكثير من الأسباب ، إلا أن قال أحدهم : اعتقد ان السبب هو في الشاي الذي شربناه البارحة ، وعلى الفور تذكرت الشاي المخدر الذي شربته ، وقلت في نفسي : هل يعقل ان يكون فعلاً هو السبب لما حصل لنا ؟؟ .. وهنا قلت لزملائي : خلونا نوجه السؤال لأبو مبارك ، لأنه هو صاحب الشاي المخدر ؟؟ .. وبحثنا عنه ولم نجده بالمدرسة ، فعرفنا بأنه ربما لن يحضر للمدرسة ، وفي الساعة التاسعة والنصف فوجئنا باتصال ابو مبارك للمدير واخبره عن اعتذاره عن الدوام لجلوسه متاخراً هذا اليوم .. وقد جعلنا فضولنا نطالب المدير بأن يسأله : هل شربت من الشاي المخدر يا ابو مبارك ؟ فاجاب : بأنه لم يشرب منه .. ولذلك فقد نام نوماً عميقا بحسب توقعنا .. وهنا مازحناه بالقول بأن الشاي الذي احضره البارحه جعل غالبية المدرسين يحضرون للدوام هذا اليوم مبكراً جداً لأنهم لم يتمكنوا من النوم أصلاً ..
عدت من الدوام عند الساعة الثانية عشر ظهراً ، وبعد الصلاة وتناول وجبة خفيفة جداً ، بدأت افقد تدريجياً تأثير الشاي ، لأدخل بعدها في سبات استمر إلى صلاة المغرب ، واعتقد أني لن اكرر تجربة الشاي المخدر مجدداً ، إلا عندما ابحث عن هذه الميزة التي يوفرها ..