عظم الله أجورنا وأجوركم برحيل آية الله السيد محمد حسين فضل الله ، الذي رحل عن هذه الدنيا الفانية يوم الأحد الموافق 23 رجب لعام 1431هـ ، وذلك بعد صراع مرير مع المرض فرضوان الله تعالى عليه ، ويمثل رحيله خسارة كبيرة للمرجعية الدينية العربية والإسلامية ، لذا فإني اتقدم بالعزاء في رحيله للفقه والففكر والأدب والشعر والثقافة ، حيث كان السيد فضل الله عالماً ومرجعاً ومفكراً وأديباً وخطيباً ومثقفاً من الدرجة الأولى ، وهي قلما تتوفر في رجل بنفس الطريقة التي توفرت في رجل التنوير والنهضة والحضارة والمؤسسات . كما أن السيد فضل الله لم يكن حالة منعزلة أو ضيقة ، وإنما كان حالة شيعية ولبنانية وعربية وإسلامية وعالمية .
وقد ذكر هاني عبد الله المستشار الإعلامي والسياسي للسيد فضل الله أن زعيماً عربياً قد أرسل للسيد فضل الله قبل عدة سنوات رسالة يبلغه فيها بأنه سيقدم له 27 مليون دولار كهدية من الزعيم للسيد ، فكان رد السيد فضل الله أن رفض هذه العطية من دون أن ينظر للأرقام ، ورد عليه بان الله قد أغناني من فضله ولا حاجة لي في هذه الهدية ، كما أني لا أقوم بعمل في السر أستحي من القيام به في العلن .
ويحكى أيضا أن الرجل القائم على مسجد الإمام الرضا عليه السلام في بئر العبد (وهو المسجد الذي كان يصلي فيه آية الله السيد فضل الله في الثمانينات) قد شكا له دخول بعض الشباب إلى المسجد بالشورت ليصلوا ، فكان رد السيد فضل الله دعوهم يدخلوا ولا تطردوهم ، فليست المشكلة في دخولهم إلى المسجد ، وإنما المشكلة هي حينما يبتعد الشباب عن المسجد وعن الصلاة .
ومن الأفكار المتميزة للسيد أيضاً ، أنه عندما تم البدء باستقدام الخادمات الآسيويات للعمل بالمنازل ، بدأت الهواجس تنتاب بعض العوائل حول توفر عنصر الطهارة ومعرفة الحلال والحرام في ما يقمن به من أعمال منزلية، فأجاب السيد فضل الله بأنه يجب النظر إلى الإنسان كإنسان، وما عليكم سوى أن تعلّموهن أصول الطهارة.
لقد تميز آية الله السيد فضل الله بالكثير من المميزات التي يصعب حصرها في سطور قليلة ، فقد كان السيد رجل مؤسساتي بمعنى الكلمة ، حيث لم يكن يجمع الأموال أو يكدسها في حسابات خاصة به في البنوك ، وإنما قام بعمل مؤسسات خيرية لرعاية الأيتام والفقراء والأرامل والمغتربين والمبتعثين من الطلاب ، كما أنشأ العديد من المساجد والحوزات العلمية في لبنان وسوريا ، وأنشأ أيضاً إذاعة البشائر وقناة الإيمان ومجلة بينات والعديد من مواقع الانترنت ، إضافة إلى رعايته لإحدى دور الطباعة والنشر ، وقد كانت كتبه وخطبه ومحاضراته كلها تصب في خدمة الإسلام والمسلمين . وكان السيد فضل الله يرى أن أفضل طريقة للتوحيد ما بين المسلمين هو أن يتم جمعهم على قضية موحدة ، كما حصل مثلا من إهانة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام في الرسوم الكاريكتورية ، وكان السيد يرفض مطلقاً التحدث من الزوايا الضيقة من باب شيعي أو سني ، وكان يصر دائما على التحدث بلغة الإسلام فقط ، إلى درجة أن احد المثقفين المغاربة قد وجه سؤالاً لأحد أصدقائه من لبنان حول مذهب السيد ، وذلك بسبب أطروحاته الإسلامية الكبيرة التي تقاس بحجم أمة الإسلام .
رحمة الله عليك يا سيدي يا فضل الله ، ونحمد الله كثيراً أن أنعم علينا بفضله بوجود مثل هذا العالم والفقيه ، الذي نؤمن بأنه لم ولن يموت من خلال بقاء مآثره وفضائله ونهجه ، ولكن فراقه عنا صعب ، وهذا هو حال الدنيا الفانية ، فإلى جنات الخلد يا آية الله .






